النويري
137
نهاية الأرب في فنون الأدب
إن زلّ ، فما عليه إلا الاجتهاد وإن حجزته الأقدار عن الظَّفر . فقد قيل في منثور الحكم : من كثر صوابه لم يطَّرح لقليل الخطأ . اختر لأسرارك من تثق بدينه وكتمانه ، وتسلم من إذاعته وإدلاله ، ولو قدرت ألَّا تودع سرك غيرك ، كان أولى بك وأسلم لك ؛ لأنك فيها بين خطر أو حذر . وقد قيل في منثور الحكم : انفرد بسرك ولا تودعه حازما فيزلّ ، ولا جاهلا فيخون . تثبّت فيما لا تقدر على استدراكه ؛ فقلَّما تعقب العجلة إلا ندما . روى عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « من تأنّى أصاب أو كاد ومن عجل أخطأ أو كاد » . وقيل في حكمة آل داود : من كان ذا تؤدة وصف بالحكمة . وقدّم ما قدرت عليه من المعروف ، فقلما يعقب الريث إلا فواتا ؛ فإن للقدرة غاية ، ولنفوذ الأمر نهاية [ 1 ] ، فاغتنمها في مكنتك تسعد بما قدّمته ، ويسعد بك من أعنته . قال علىّ بن أبي طالب رضى اللَّه عنه : انتهزوا الفرصة فإنها تمرّ مرّ السحاب . وقال بعض الحكماء : من أخّر الفرصة عن وقتها ، فليكن على ثقة من فوتها . واحذر قبول المدح من المتملَّقين ، فإن النّفاق مركوز في طباعهم ، ويداجونك بهيّن عليهم [ 2 ] ؛ فإن نفّقوا عليك غششت نفسك ، وداهنت حسّك ؛ وأنت أعرف بنفسك من غيرك فيما تستحق به حمدا أو ذمّا . فناصح نفسك بما فيها ، فإنك أعلم بمحاسنها ومساويها . فقد قيل فيما أنزل اللَّه تعالى من الكتب السالفة : « عجب لمن قيل فيه الخير وليس فيه كيف يفرح ! وعجب لمن قيل فيه الشر وهو فيه كيف
--> [ 1 ] كذا في قوانين الوزارة ، وفى الأصل : « ولنفوذ القدر . . . » . [ 2 ] كذا في قوانين الوزارة . ولعل المراد بالهين عليهم : المدح الذي لا يكلفهم شيئا . وفى الأصل : « ويد اخوتك تهون عليهم » وهو ظاهر التحريف .